الشريف الرضي

155

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

فثنى اسم ( من ) على المعنى ) . وعلى هذا قوله تعالى : ( والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع . . . ) ( 1 ) والذي يمشي على بطنه وعلى أربع ليس ممن يعقل ، فغلب ما يعقل لاختلاطه بما لا يعقل ، وعلى هذا النحو قول لبيد : فعلا فروع الأيهقان فأطفلت * بالجلهتين ظباؤها ونعامها ( 2 ) والنعام لا تطفل ، ولكنها تبيض ، إلا أنه لما خلط ما يلد بما لا يلد أجراه مجراه في الصفة ، لان ما يلد أعلى طبقة مما لا يلد . وقد قيل في قوله تعالى : ( فمنهم من يمشي على بطنه . . . ) قول آخر وهو : أنه لما قال : ( فمنهم ) وإن كان فيهم ما لا يعقل صاروا كلهم كأنهم يعقلون ، فأجرى على كل صنف منهم ( من ) عند التفصيل . فأما المعنى في استسلام ما لا يعقل فهو تعذر امتناع من هذه صفته مما ينزله تعالى به : من الآلام والشدائد والمخامص والمجاهد [ 3 ] ، مع كراهته لذلك ، فإذا تعذر على من هذه حاله الامتناع من هذه الأمور ، صار مستسلما كرها ، فالمراد إذن بقوله تعالى : ( وله أسلم ) الاستسلام الذي

--> ( 1 ) النور : 45 ( 2 ) الأيهقان : عشب يطول شامخا في السماء وله وردة حمراء وورقه عريض ، ونقل أبو حنيفة عن أبي زياد : ان لبيد غيره عن ( النهق ) ولم يسمه أحد بالأيهقان الا لبيد . وفي ( اللسان ) : ان ما ذكره أبو حنيفة خطأ ، لان سيبويه قد حكى الأيهقان في الأمثلة الصحيحة . وأطفلت المرأة والظبية والنعام صارت ذات طفل . والجلهتان : ناحيتا الوادي وضفتاه . وقال النظر بن شيل . ( الجله ) بفتحتين : نجوات من الوادي أشرفن على السيل . ( 3 ) : من المخمصة والجهد .